محمد بن جرير الطبري
120
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
واجب على كل مسلم رد تحية كل كافر أحسن من تحيته ، وقد أمر الله برد الأحسن ؛ والمثل في هذه الآية من غير تمييز منه بين المستوجب رد الأحسن من تحيته عليه والمردود عليه مثلها بدلالة يعلم بها صحة قول من قال : عنى برد الأحسن المسلم ، وبرد المثل : أهل الكفر . والصواب إذ لم يكن في الآية دلالة على صحة ذلك ولا بصحته أثر لازم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن يكون الخيار في ذلك إلى المسلم عليه بين رد الأحسن أو المثل إلا في الموضع الذي خص شيئا من ذلك سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون مسلما لها . وقد خصت السنة أهل الكفر بالنهي عن رد الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها ، إلا بأن يقال : " وعليكم " ، فلا ينبغي لأحد أن يتعدى ما حد في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأما أهل الإسلام ، فإن لمن سلم عليه منهم في الرد من الخيار ما جعل الله له من ذلك . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأويل ذلك بنحو الذي قلنا خبر ؛ وذلك ما : حدثني موسى بن سهل الرملي ، قال : ثنا عبد الله بن السري الأنطاكي ، قال : ثنا هشام بن لاحق ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان الفارسي ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : السلام عليك يا رسول الله فقال : " وعليك ورحمة الله " . ثم جاء آخر فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله فقال له رسول الله : " وعليك ورحمة الله وبركاته " . ثم جاء آخر فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال له : " وعليك " فقال له الرجل : يا نبي الله بأبي أنت وأمي ، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي ؟ فقال : " إنك لم تدع لنا شيئا ، قال الله وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها رد التحية فرددناها عليك " . فإن قال قائل : أفواجب رد التحية على ما أمر الله به في كتابه ؟ قيل : نعم ، وبه كان يقول جماعة من المتقدمين . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : ما رأيته إلا يوجبه قوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها رد التحية . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن رجل ، عن الحسن ، قال : السلام : تطوع ، والرد رد التحية فريضة . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً . يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله كان على كل شيء مما تعملون أيها الناس من الأعمال من طاعة ومعصية حفيظا عليكم ، حتى يجازيكم بها جزاءه . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : حسيبا ، قال : حفيظا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وأصل الحسيب في هذا الموضع عندي فعيل من الحساب الذي هو في معنى الإحصاء ، يقال منه : حاسبت فلانا على كذا وكذا ، وفلان حاسبه على كذا وهو حسيبه ، وذلك إذا كان صاحب حسابه . وقد زعم بعض أهل البصرة من أهل اللغة أن معنى الحسيب في هذا الموضع : الكافي ، يقال منه : أحسبني الشيء يحسبني إحسابا ، بمعنى : كفاني ، من قولهم : حسبي كذا وكذا . وهذا غلط من القول وخطأ ، وذلك أنه لا يقال في أحسبت الشيء : أحسبت على الشيء فهو حسيب عليه ، وإنما يقال : هو حسبه وحسيبه ، والله يقول : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني جل ثناؤه بقوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ المعبود الذي لا تنبغي العبودية إلا له هو ، الذي له عبادة كل شيء وطاعة كل طائع . وقوله : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يقول : ليبعثنكم من بعد مماتكم ، وليحشرنكم جميعا إلى موقف الحساب الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم ، ويقضي فيه بين أهل طاعته ومعصيته وأهل الإيمان به والكفر . لا رَيْبَ فِيهِ يقول : لا شك في حقيقة ما أقول لكم من ذلك وأخبركم